بادن بادن

بادن بادن… حيث تلتقي أناقة أوروبا بسحر الغابة السوداء

بادن بادن… حيث تلتقي أناقة أوروبا بسحر الغابة السوداء

بين أناقة العمارة الأوروبية، وسكون الغابة السوداء، وإطلالات جبل ميركور، اكتشفنا في بادن بادن وجهاً مختلفاً لألمانيا… أكثر قخامة رقي وهدوء.

هذه المدينة تركت في الذاكرة إحساساً يصعب اختصاره بصورة واحدة. وبالنسبة لنا، كانت بادن بادن من النوع الثاني. مدينة لا تحاول إبهارك بالصخب أو بكثرة المعالم، بل تفعل ذلك برقيها، وشوارعها المرتبة، وحدائقها، ومبانيها التاريخية.

ومع أن بادن بادن تبدو للوهلة الأولى كمدينة أوروبية صغيرة وهادئة، فإن وراء هذا الهدوء تاريخاً طويلاً. فقد ارتبط اسمها منذ قرون بالينابيع المعدنية الطبيعية وثقافة الاستشفاء، وبلغت شهرتها ذروتها خلال القرن التاسع عشر حتى عُرفت آنذاك بـ«العاصمة الصيفية لأوروبا». وفي عام 2021، أُدرجت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو كجزء من Great Spa Towns of Europe، التي تضم 11 مدينة سبا تاريخية في سبع دول أوروبية.

اليوم الأول في بادن بادن

بادن بادن

وصلنا إلى بادن بادن ظهيرة يوم صيفي، ضمن رحلة صحفية بالتعاون مع هيئة السياحة في بادن بادن. وكانت المحطة الأولى فندق TRIBE Baden-Baden، الذي اتخذناه قاعدة لاكتشاف المدينة طوال الزيارة.

بعد تسجيل الدخول ووقت قصير للراحة، خرجنا لاكتشاف المدينة سيراً على الأقدام، وهي برأينا واحدة من أجمل الطرق للتعرّف إلى بادن بادن.

كل شيء هنا قريب بما يكفي ليجعلك تستغني عن السيارة لبعض الوقت. انتقلنا بين شوارع البلدة القديمة الصغيرة، حيث تتجاور المتاجر والبوتيكات والمقاهي وسط مبانٍ أوروبية أنيقة، قبل أن نصل إلى محيط Kurhaus Baden-Baden، أحد أشهر معالم المدينة.

المنطقة المحيطة بالكورهاوس تعطي صورة واضحة جداً عن الشخصية التي تميز بادن بادن؛ فخامة موجودة، لكنها غير متكلّفة. عمارة كلاسيكية، مساحات خضراء، أزهار مرتبة بعناية، وممرات تجعل مجرد المشي جزءاً من التجربة.

وبالقرب منه تقع Trinkhalle، أو قاعة مياه الينابيع، التي شكّلت بدورها إحدى المحطات اللافتة في جولتنا. شُيّد المبنى بين عامي 1839 و1842، ويتميّز برواق مفتوح يمتد لنحو 90 متراً، تدعمه 16 دعامة كورنثية وتزيّنه لوحات جدارية مستوحاة من أساطير وحكايات المنطقة.

واصلنا السير بين Leopoldsplatz والأزقة القديمة والجسور الصغيرة فوق نهر Oos، وصولاً إلى مشاهد تجمع بين الماء والخضرة والعمارة التاريخية بطريقة تمنح وسط المدينة طابعاً رومانسياً واضحاً. وكانت جولتنا الرسمية تحت عنوان Best of Baden-Baden فرصة للتعرّف إلى المدينة من زاوية أعمق، برفقة دليل من هيئة السياحة المحلية، بدلاً من الاكتفاء بمشاهدة مبانيها من الخارج.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في بادن بادن أن الطبيعة ليست شيئاً تحتاج إلى مغادرة المدينة بحثاً عنه. يكفي الوصول إلى Lichtentaler Allee، ذلك الامتداد الأخضر الذي يمتد لنحو ثلاثة كيلومترات بين الحدائق والأشجار، حتى يتغير المشهد بالكامل.

هنا تحديداً فهمنا سر جاذبية المدينة: تستطيع خلال دقائق قليلة الانتقال من واجهات المتاجر والمباني التاريخية إلى مساحات تشعر معها بأنك دخلت حديقة بعيدة عن المركز، بينما أنت في الواقع لا تزال في قلب بادن بادن.

مع حلول المساء، عدنا إلى الفندق لبعض الوقت استعداداً لعشائنا الأول في المدينة. وبعد جولتنا خلال النهار، كان هناك تفصيل لفت انتباهنا بوضوح في بادن بادن: الأناقة جزء من أسلوب الحياة هنا. في الشوارع والمقاهي والمطاعم، بدا السكان والزوار في غاية الأناقة، بملابس مرتبة وإطلالات راقية تتناغم تماماً مع الطابع الكلاسيكي للمدينة. لذلك قررنا أن نساير أجواء بادن بادن، فتأنقنا نحن أيضاً قبل أن نتوجه إلى العشاء.

كانت وجهتنا مطعم Rizzi في Augustaplatz، حيث استقبلتنا Cornelia Stahr، رئيسة التسويق والاتصال العالمي في هيئة السياحة في بادن بادن، على عشاء شكّل ختاماً مثالياً ليومنا الأول.

ومنذ وصولنا، شعرنا بأن اختيار الإطلالة الأنيقة كان في مكانه؛ الأجواء المحيطة بالمطعم، والتراس الجميل، والضيوف الأنيقون من حولنا، جميعها عكست ذلك الجانب الراقي الذي تشتهر به بادن بادن. ومع أمسية صيفية هادئة، كان من الجميل أن نجلس بعد ساعات من التجول ونستعيد تفاصيل يومنا الأول على مائدة تجمع بين الأجواء الحيوية والأناقة غير المتكلّفة.

ويتمتع المطعم بموقع جميل في قلب بادن بادن، وسط واحدة من أكثر مناطق المدينة أناقة، مع تراس خارجي مفتوح على المساحات الخضراء المحيطة بـAugustaplatz. الجلسة في الخارج منحتنا إطلالة هادئة على الأشجار والحدائق والمشهد الحضري الأنيق من حولنا، فيما كانت حركة المارة تضيف شيئاً من الحيوية إلى الأمسية من دون أن تفقدها هدوءها.

وبينما كنا نستمتع بالعشاء، بدأ المطر بالهطول، ليغيّر أجواء الأمسية بالكامل ويمنحها لمسة أوروبية جميلة لم نكن نخطط لها. لمع الشارع تحت قطرات المطر، وازدادت الخضرة من حولنا جمالاً، فيما أصبحت الجلسة أكثر دفئاً وسط الأجواء الماطرة. وبدلاً من أن يفسد المطر خطتنا، تحول إلى واحد من تلك التفاصيل العفوية التي جعلت العشاء أكثر تميزاً وبقيت عالقة في ذاكرتنا.

وهنا أدركنا أن رفاهية بادن بادن لا تقتصر على فنادقها أو تاريخها كوجهة للنخبة الأوروبية، بل تظهر أيضاً في التفاصيل اليومية البسيطة؛ في طريقة ارتداء الناس لملابسهم، وفي جلسات العشاء الطويلة، وفي الاهتمام بالتفاصيل، وكأن الأناقة هنا ليست مناسبة خاصة، بل جزء طبيعي من إيقاع المدينة.

اليوم الثاني في بادن بادن

بادن بادن

بعد الإفطار في الفندق، اتجهنا صباح اليوم الثاني إلى جبل ميركور، واحدة من التجارب التي كنا ننتظرها أكثر خلال الرحلة. وللوصول إلى القمة، استقللنا MerkurBergbahn، القطار الجبلي المائل الذي يأخذ الزوار خلال دقائق إلى ارتفاع 668 متراً، بينما تبدأ بادن بادن بالتراجع تدريجياً في الأسفل وتحيط بك خضرة الغابة السوداء من كل جانب.

وعند الوصول إلى القمة، كان المشهد يستحق الرحلة وحده. أمامنا امتدت إطلالات بانورامية واسعة على بادن بادن والغابة السوداء وسهل الراين، في مشهد جعلنا نتوقف لبعض الوقت من دون أن نفعل شيئاً سوى الاستمتاع بالهواء النقي والمساحات الخضراء الممتدة أمامنا.

لكن أكثر ما أضاف شيئاً من الإثارة إلى المشهد كان الطيران المظلي. فجبل ميركور يُعد بالفعل نقطة انطلاق لمحبي هذه الرياضة، حيث ينطلق الطيارون بالمظلات من أعلى القمة ويحلقون فوق المنطقة باتجاه موقع الهبوط عند سفح الجبل، كما تتوفر إمكانية الطيران الترادفي لمن يرغب بخوض التجربة برفقة محترف.

كان من الممتع أن نقف على القمة ونشاهد المظلات الملونة وهي تنطلق واحدة تلو الأخرى، ثم تتحول بعد لحظات إلى نقاط صغيرة تحلق فوق الغابات والوديان. أضاف المشهد جرعة من المغامرة إلى هدوء المكان، وجعلنا نفكر للحظة: ربما في الزيارة المقبلة علينا ألا نكتفي بالمشاهدة!

وبين الإطلالات والطيران المظلي والهدوء الذي يحيط بالقمة، شعرنا أن ميركور يكشف وجهاً مختلفاً تماماً لبادن بادن؛ فبعد أناقة الشوارع والمطاعم في اليوم الأول، وجدنا أنفسنا في صباح اليوم التالي وسط الطبيعة، ننظر إلى المدينة نفسها من الأعلى، ولكن بإيقاع مختلف تماماً.

كازينو بادن بادن
كازينو بادن بادن

من أكثر المحطات التي لفتتنا خلال جولتنا كازينو بادن بادن، الذي يحتل جزءاً من مبنى Kurhaus التاريخي، أحد أشهر رموز المدينة. والمثير في المكان أن فخامته تبدأ قبل الدخول إليه؛ فالمبنى الذي صممه المعماري الألماني فريدريش فاينبرينر وافتُتح عام 1824، يُعد نموذجاً بارزاً للعمارة الكلاسيكية الجديدة.

من الخارج، يستقبلك المبنى بواجهة متناظرة تتوسطها أعمدة كورنثية شاهقة تحمل واجهة مثلثة كلاسيكية، فيما تمنحه درجات المدخل الواسعة حضوراً مهيباً أشبه بالقصور والمؤسسات الثقافية الأوروبية العريقة. وتزداد جمالية المشهد بفضل موقعه وسط المساحات الخضراء والحدائق الأنيقة، وبالقرب من Lichtentaler Allee، ليبدو الكورهاوس جزءاً طبيعياً من المشهد الراقي الذي يميز قلب بادن بادن.

لكن المفاجأة الحقيقية تبدأ عند الانتقال إلى الداخل، حيث يتغير الطابع من صرامة العمارة الكلاسيكية في الخارج إلى فخامة أوروبية شديدة الثراء. فقد لعب الفرنسي جاك بينازيه، ثم ابنه إدوار بينازيه ، دوراً أساسياً في تطوير الكازينو وقاعاته خلال القرن التاسع عشر، مستلهمين أجواء الصالونات والقصور الفرنسية.

تتنقل داخل الكازينو بين قاعات لكل منها شخصية مختلفة، لكن القاسم المشترك بينها هو الاهتمام المذهل بالتفاصيل: ثريات كريستالية ضخمة تتدلى من الأسقف، وزخارف مذهبة، ومرايا كبيرة، وأعمدة مزخرفة، وأسقف غنية بالرسومات والتفاصيل الفنية، إلى جانب الستائر الثقيلة والأثاث الكلاسيكي. ومع الإضاءة الدافئة وانعكاسها على الذهب والكريستال، تشعر للحظة وكأنك دخلت إحدى قاعات قصر أوروبي من القرن التاسع عشر.

ومن أشهرها الصالون الفلورنسي Florentine Salon، بألوانه الدافئة وزخارفه الغنية، والصالون الأحمر Red Salon الذي تسيطر عليه درجات الأحمر والذهبي، إضافة إلى صالون بومبادور Pompadour Salon المستوحى من الفخامة الفرنسية. أما الحديقة الشتوية Winter Garden فتقدم طابعاً أكثر إشراقاً وانفتاحاً، لتكشف كل قاعة عن وجه مختلف للمكان.

وهذا التناقض بين الخارج والداخل كان من أجمل تفاصيل الزيارة بالنسبة لنا؛ من الخارج أناقة كلاسيكية هادئة ومهيبة، ومن الداخل عالم مسرحي غني بالألوان والذهب والكريستال. لذلك، حتى لو لم تكن ألعاب الكازينو ضمن اهتماماتك، يبقى الدخول إلى هذه القاعات تجربة معمارية وفنية بحد ذاتها.

ولعل هذا ما جعل كازينو بادن بادن أكثر من مجرد كازينو بالنسبة لنا؛ فهو أشبه بقطعة محفوظة من العصر الذهبي للمدينة، تروي من خلال عمارتها وزخارفها قصة الفترة التي كانت فيها بادن بادن واحدة من أهم ملتقيات الأرستقراطية والنخبة الأوروبية.

أما مساء اليوم الثاني، فحملنا إلى تجربة مختلفة تماماً مع العشاء في Geroldsauer Mühle، الواقع وسط منطقة هادئة تحيط بها الطبيعة على أطراف بادن بادن. ومن اللحظة الأولى، شعرنا أننا انتقلنا من أناقة وسط المدينة إلى أجواء ألمانية أكثر دفئاً وتقليدية، تتناغم مع طبيعة الغابة السوداء المحيطة بالمكان.

يقدم المطعم المأكولات الألمانية بطابعها التقليدي، لتكتمل التجربة بأجواء المكان الريفية وتصميمه الذي يعتمد بشكل واضح على الخشب والمواد الطبيعية. وحتى فريق الخدمة كان جزءاً من هذه الهوية؛ إذ ارتدى بعض العاملين الأزياء الألمانية التقليدية، ما أضفى على العشاء طابعاً محلياً جميلاً وجعل التجربة تتجاوز مجرد تناول الطعام إلى التعرّف عن قرب إلى جانب من ثقافة المنطقة.

وما أحببناه أكثر أن المكان مناسب للعائلات أيضاً. فهناك مساحة مخصصة لألعاب الأطفال تتيح لهم قضاء وقت ممتع بينما يستمتع الأهل بجلستهم، إلى جانب الطبيعة الواسعة التي تحيط بالمطعم.

لكن أجمل التفاصيل بالنسبة للأطفال كانت الممر المؤدي إلى النهر الصغير المجاور؛ إذ يمكن النزول إليه والاقتراب من المياه الضحلة، حيث شاهدنا الأطفال يلعبون بالماء ويستمتعون بالطبيعة من حولهم. كانت لحظات بسيطة، لكنها من تلك التفاصيل التي تجعل المكان مميزاً للعائلات، خصوصاً في أيام الصيف.

اليوم الثالث في بادن بادن

حمامات الهواء الساخن الأيرلندية
حمامات الهواء الساخن الأيرلندية

وفي صباح يومنا الأخير، وقبل أن نودّع بادن بادن، كان لا بد أن نعيش التجربة التي ارتبط باسم المدينة منذ أكثر من ألفي عام: الحمامات الحرارية. لذلك توجهنا إلى Friedrichsbad، الحمام التاريخي الشهير الذي يجمع بين تقاليد الاستحمام الرومانية وحمامات الهواء الساخن الأيرلندية، في تجربة مختلفة تماماً عن مفهوم السبا العصري الذي اعتدناه اليوم.

والحقيقة أن اختيار Friedrichsbad ليكون محطتنا الأخيرة بدا مناسباً جداً، لأن قصة بادن بادن بدأت أساساً من المياه. فقد عرف الرومان الينابيع الحرارية في المنطقة قبل نحو ألفي عام، وأقاموا فيها منشآت للاستحمام عندما كانت المستوطنة تُعرف باسم Aquae. وحتى اليوم، تقع بقايا ما يُعرف بـ«حمام الجنود» الروماني أسفل Friedrichsbad مباشرة، شاهدةً على تاريخ طويل جعل الاستحمام بالمياه الحرارية جزءاً أصيلاً من هوية المدينة.

أما مبنى Friedrichsbad الحالي، فقد شُيّد بين عامي 1869 و1877، في الفترة التي عادت فيها بادن بادن إلى التركيز بقوة على تقاليدها كمدينة للحمامات والاستشفاء. ومن الخارج، يلفت المبنى الأنظار بعمارته التاريخية المهيبة، لكن جماله الحقيقي بالنسبة لنا ظهر بمجرد الدخول.

في الداخل، تشعر وكأنك عدت أكثر من قرن إلى الوراء. أقواس وأعمدة وزخارف كلاسيكية، أرضيات وجدران غنية بالتفاصيل، وقاعات تعلو بعضها قباب مزخرفة، فيما تتوسط إحدى أشهر المساحات بركة دائرية تحت قبة رائعة، لتبدو التجربة أقرب إلى الدخول إلى حمام ملكي تاريخي منها إلى زيارة سبا تقليدي. وحتى أثناء التنقل بين القاعات، يبقى التصميم جزءاً أساسياً من التجربة؛ فأنت لا تأتي إلى Friedrichsbad من أجل المياه وحدها، بل لتعيش طقوس الاستحمام كما كانت تُمارس في القرن التاسع عشر.

والتجربة هنا لا تعتمد على حوض واحد أو جلسة سبا تقليدية، وإنما على رحلة متدرجة عبر 17 محطة، تجمع بين الهواء الدافئ والساخن، والبخار، والمياه الحرارية بدرجات حرارة مختلفة ومراحل للاسترخاء، في تسلسل صُمم ليأخذ الجسم تدريجياً من الحرارة إلى الماء ثم الراحة. كما يشتهر المكان بتجربة التدليك بالصابون والفرشاة، التي تُقدَّم عند الطلب وحسب التوافر في الأيام المخصصة للاستحمام من دون ملابس سباحة.

والمياه نفسها هي بطلة التجربة؛ فبادن بادن تضم 12 ينبوعاً حرارياً تتدفق مياهها من أعماق تقارب 2000 متر، وتصل حرارتها إلى نحو 68 درجة مئوية، بإجمالي يقارب 800 ألف لتر يومياً.

كانت تجربة مختلفة عن كل ما فعلناه خلال اليومين السابقين. بعد جبل ميركور والطبيعة، والكازينو وقاعاته المذهبة، والمطاعم والجولات الفنية، وجدنا أنفسنا في صباحنا الأخير نعيش أكثر تقاليد بادن بادن أصالة.

وهنا اكتملت بالنسبة لنا صورة المدينة.

فمن السهل جداً اختصار بادن بادن بالحمامات الحرارية، فهي في النهاية واحدة من أشهر مدن السبا التاريخية في أوروبا، لكن بعد زيارتها أدركنا أن هذا الوصف وحده يظلمها قليلاً. بادن بادن هي صباح فوق جبل ميركور، ومشوار هادئ بمحاذاة نهر Oos، وقاعات كازينو تبدو كقصور أوروبية، ومبانٍ تاريخية تحيط بها الحدائق، وعشاء أنيق في قلب المدينة، وأمسية ألمانية دافئة بالقرب من الغابة.

هي مدينة تستطيع أن تتأنق فيها لعشاء مسائي، ثم ترتدي في صباح اليوم التالي حذاءً مريحاً وتصعد إلى قلب الطبيعة، قبل أن تنهي رحلتك مسترخياً تحت قبة حمام تاريخي يعود إلى القرن التاسع عشر.

وربما هنا فهمنا فعلاً معنى الشعار الذي تتبناه بادن بادن: “The Good-Good Life”. فالحياة الجميلة هنا لا تعني المبالغة، وإنما أن تمنح نفسك وقتاً أطول للطبيعة، والفن، والطعام، والاسترخاء، ولتلك التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تمر سريعاً في المدن الكبرى.

غادرنا بادن بادن بعد يومين فقط، لكننا شعرنا وكأن إيقاع الحياة تباطأ خلالهما قليلاً. وربما كانت تلك أجمل هدية قدمتها لنا المدينة.

الإقامة في TRIBE Baden-Baden

TRIBE@
TRIBE@

ن التفاصيل التي ساهمت في سهولة تجربتنا في المدينة اختيار TRIBE Baden-Baden للإقامة، خصوصاً أن موقعه وضعنا على مسافة قريبة جداً من أبرز معالم بادن بادن. يقع الفندق مباشرة مقابل Caracalla Spa، وعلى بُعد نحو أربع دقائق سيراً على الأقدام من البلدة القديمة، ما جعل معظم جولاتنا تبدأ ببساطة من باب الفندق من دون الحاجة إلى السيارة. ومنه يمكن الوصول سيراً إلى Friedrichsbad وشوارع البلدة القديمة، ثم متابعة الجولة باتجاه Trinkhalle والكازينو وLichtentaler Allee.

وإذا كانت بادن بادن من الخارج تحتفي بالعمارة الكلاسيكية والتاريخ، فإن الفندق يقدم النقيض بطريقة جميلة. التصميم هنا عصري، جريء وشبابي، مع مزيج مدروس من الألوان والإضاءة وقطع الأثاث الحديثة والأعمال الفنية التي تظهر في المساحات المشتركة. لا توجد تلك الرسمية التي قد تتوقعها في مدينة تاريخية مثل بادن بادن؛ بل مساحات مريحة وحيوية صُممت لتكون مكاناً للجلوس والعمل وتناول القهوة والالتقاء في الوقت نفسه.

وأحببنا تحديداً منطقة Social Hub في اللوبي، التي تجمع بين الصالة وغرفة المعيشة ومساحة العمل المشتركة، مع جلسات مختلفة ونباتات ولمسات فنية عصرية. وبجانبها يأتي TRIBE Table بأجوائه المريحة التي تجمع بين البار والمقهى، إضافة إلى ركن Grab & Go المفتوح على مدار الساعة للحصول على المشروبات والوجبات الخفيفة بسرعة.

أما بالنسبة لنا كعائلة، فكانت أجمل مفاجأة عند تسجيل الدخول أن الفندق خصص لنا غرفتين متصلتين ببعضهما البعض. كان هذا الترتيب عملياً جداً، إذ منحنا مساحة وخصوصية أكبر، وفي الوقت نفسه أبقى العائلة معاً من خلال الباب الداخلي الذي يصل بين الغرفتين. وهي من التفاصيل الصغيرة التي تصنع فرقاً كبيراً عند السفر مع الأطفال، خصوصاً خلال إقامة تتضمن برنامجاً حافلاً بالتجارب والجولات.

وجاء تصميم الغرف امتداداً لأسلوب الفندق العصري؛ بسيط وأنيق من دون ازدحام بالتفاصيل، مع إضاءة طبيعية، أسرّة مريحة، ولمسات ديكور مختارة بعناية. كما تضم الغرف تلفزيوناً ذكياً بقياس 50 بوصة، ومرافق لإعداد القهوة والشاي، إلى جانب الإنترنت المجاني وغيرها من الأساسيات التي يحتاجها المسافر خلال الإقامة.

وفي الصباح، كنا نبدأ يومنا بالإفطار في الفندق قبل الانطلاق لاستكمال البرنامج، بينما كانت العودة إليه مساءً مريحة بالقدر نفسه. وربما كان الموقع أكثر ما قدّرناه خلال الإقامة؛ أن تنزل من غرفتك وتجد الحمامات الحرارية الشهيرة أمامك، والبلدة القديمة على بعد دقائق، وأهم معالم بادن بادن ضمن جولة مشي ممتعة، جعل الفندق بالنسبة لنا أكثر من مجرد مكان للنوم، بل نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة.

ومن أجمل مزايا إقامتنا في TRIBE Baden-Baden أن Caracalla Spa كان يقع مباشرة تقريباً أمام الفندق، لذلك سرعان ما تحول إلى طقسنا المفضل في نهاية اليوم. فبعد ساعات من المشي والجولات واكتشاف المدينة، كنا نعود إلى المنطقة ونخصص نحو ساعتين في السبا قبل استكمال برنامجنا المسائي.

وكانت الساعتان كفيلتين بتغيير إيقاع اليوم بالكامل. نبدأ عادةً بالاسترخاء في المسابح الحرارية الداخلية والخارجية، التي تتراوح درجات حرارة مياهها بين نحو 18 و38 درجة مئوية. وفي الداخل، تضفي القبة الزجاجية الكبيرة والضوء الطبيعي أجواءً هادئة على المسبح الرئيسي، بينما كنا ننتقل بين أحواض المياه الدافئة ومناطق الجاكوزي ونترك حرارة المياه تخفف تعب ساعات المشي.

أما الجزء الذي أحببناه بشكل خاص فكان المسبح الخارجي. الخروج إلى المياه الدافئة في الهواء الطلق، وسط الخضرة والهدوء الذي يميز بادن بادن، كان من أجمل لحظات الاسترخاء في الرحلة. وتضم المنطقة الخارجية أيضاً قناة مائية وتيارات للتدليك، إلى جانب أحواض بدرجات حرارة مختلفة، ما يجعل التجربة أكثر تنوعاً من مجرد السباحة. Caracalla Spa

وكنا نستغل الوقت أيضاً للانتقال بين نفاثات المياه ومناطق التدليك المائي، ثم نجلس لبعض الوقت بهدوء قبل العودة إلى الفندق. لم نكن نذهب بهدف قضاء يوم كامل في السبا، بل كانت الفكرة أجمل بالنسبة لنا بهذه الطريقة: ساعتان من المياه الحرارية والاسترخاء في نهاية يوم حافل، ثم نعود إلى غرفتنا ونستعد للعشاء.

ومع تكرار التجربة، فهمنا لماذا ترتبط بادن بادن بالمياه الحرارية منذ قرون. بالنسبة لنا، لم تعد زيارة Caracalla Spa مجرد معلم سياحي علينا تجربته، بل أصبحت جزءاً من روتين الرحلة نفسها؛ نمشي ونستكشف المدينة خلال النهار، ثم نمنح أنفسنا ساعتين من الهدوء في المياه الحرارية قبل أن تبدأ أمسية جديدة في بادن بادن.

ومن بادن بادن إلى هايدلبرغ… اكتشفوا كيف قضينا أجمل 72 ساعة في واحدة من أكثر مدن ألمانيا سحراً بالضغط هنا.

تقرأون أيضاً
أوقاتنا على الإنستغرام
أحدث المقالات
تابعنا
كن أول من يعرف!
Categories

كن أول من يعرف!
اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك أحدث الأخبار والتغطيات الحصرية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني