Uncategorized

ازدهار الحياة في ربوع جورجيا

حبس السوفييت حسناء القوقاز خلف ستارهم الحديدي، وخبؤوا جمالها كما الزوج الغيور عن الأعين لعقود. ومُنعت عنا صادراتها الشهية من أجبان مالحة ولحوم طرية وعسلٍ فاتح اللون، حتى بعد تفكك الاتحاد وحصول البلد الجبلي على استقلاله للمرة الأولى منذ ثمانية قرون، بسبب إشعاعات تشيرنوبل. “ساكارتولي” بلاد الكارتوليين، أو جورجيا هي ثاني بلدٍ يعتنق المسيحية بشكلٍ رسمي في القرن الرابع الميلادي. أمةٌ صغيرة بمقاييس السكان والمساحة، محظوظة بجمالها وتنوع جغرافيتها، وتعيسة بموقعها بين مطامع الإمبراطوريات. سيطر عليها البيزنطيون والأمويون والمغول والعثمانيون والفرس والأباطرة الروس ومن ثم ورثتهم البلاشفة. كُتب التاريخ حافلة بمحاولات الاستقلال تجاوبها قبضة القمع، لذا لحق الدمار بعاصمتها تبليسي وحدها 40 مرة. مرارة التاريخ لم تمنع الجورجيين من حب الحياة وحب الآخر، فاليوم يرحب ضباط الجوازات بالقادمين من جميع أنحاء العالم، أكثرهم من أحفاد المستعمرين السابقين، أتراك وعرب وإيرانيون وروس، يلقون الابتسامة وختم دخولٍ مجاني وشبكة واي فاي إسمها “تبليسي تحبك”.

اليوم الأول في جورجيا:

رحب بنا المرشد غيورغي في المطار، شابٌ جورجي نحيل ذو لحيةٍ خفيفة، مثل ظله ودعاباته. واستصعب معظم أفراد المجموعة نطق اسمه، فنادوه جورجي وغريغوري، ولم يتضايق من ذلك.

أودعنا حقائبنا في فندق لايتهاوس أولد سيتي، وهو فندق صغير وأنيق وقريب من المعالم السياحية، ومنه مشينا بصحبة غيورغي في جولة سيرٍ في وسط تبليسي. على قمة جبلٍ يطل على المدينة ونهرها تقف أطلال قلعة “ناري كالا” أو القلعة الصغيرة شاهدةً على التشبث بالحياة وأطايبها.

في ظل الجبل يقبع وسط المدينة القديم، أحد معالم جذب الغزاة قديم والسياح حديث. هنا تتدفق مياهٌ كبريتية ساخنة ذات خصائص علاجية من باطن الأرض. فوقها بُنيت حماماتٌ شبيهة بنظيراتها التركية وقبابها، ماعدى واحدٍ ذو طراز عمارة وزخارف فارسية.

تُشرف على وسط المدينة تلالٌ تقف عليها كنيستان ومسجدٌ تركي. خلف المسجد يقع الحي اليهودي، الذي فرغ تقريب من سكانه الأصليين، وبقي به المعبد الذي يؤمه السياح الفضوليون أكثر من المصلين.

إلى الجانب الآخر يقع الحي الأرمني، جُل سكانه من أحفاد الهاربين من الإبادة التركية خلال الحرب العالمية الأولى، أو المهجرين من أرضهم خلال الحرب الأرمنية الأذرية التي تلتها، وتقف بنات الحي الحسناوات عند مدخل الحمامات – التي يديرها أذريون – يبعن عصير الرمان، ويزداد العجب عندما تؤمئ الأرمنية بعينيها الداكنتين قائلةً إن رمانها الطازج تركي أو أذري.

شبه غيورغي العاصمة الجورجية بالمدينة الجميلة التي تحمل مجلتنا اسمها، من حيث التسامح عبر التاريخ، “أعظم ملوكنا على الإطلاق، ديفيد البنّاء، هزم الساجقة المسلمين وأبعدهم عن بلادنا. وعامل بعدها المسلمين في تبليسي بتسامح وكان يحضر أحيان صلاة الجمعة احترام لرعاياه من أتباع هذا الدين، وذلك في نفس الوقت الذي كان فيه نظرائه الأوروبيون يحملون الصليب والسيف، متجهين إلى أرض اللبن والعسل الموعودة”.

ركبنا عربة تلفريك متوجهين صعوداً نحو القلعة، على القمة يقف تمثال هائل الحجم يُعرف بتمثال أم الجورجيين، تحمل هذه السيدة سيفاً لردع العدوان، وفخارة عنبٍ رمزاً لكرم الضيافة.

أمام المنظر العلوي الشبيه بالبطاقات البريدية يلتقط السياح صور السيلفي. كثيرون منهم يسيرون بصحبة جورجيين، وبدون مرشدين سياحيين، ذلك أن الجورجيين ودودون جداً، وهم يحبون الحديث عن بلادهم على أي حال.

سرنا بمحاذاة أسوار القلعة التي تحمل تجاعيد الزمن وما ألحقه بها من دمار على يد المستعمرين. هناك منصة مراقبةٍ فوق جزء مرتفعٍ منها، تطل على حديقة النباتات الطبيعية، شديدة الاخضرار تغرد فيها العصافير، حتى ليبدو لك أن أسوار القلعة والجبل الذي تعتلي قمته هو نهاية العاصمة، وما بعده البرية.

قررنا النزول مشياً، وفي طريقنا وجدنا مجموعة من المطاعم الشعبية، وكأن أصحابها توقعوا جوع السياح بعد جولة القلعة. المطبخ الجورجي دسم ومالح وحار للغاية، يداعب حلمات التذوق في اللسان. “هذه البيتزا الجورجية” قال غيورغي وهو يشير إلى خبزةٍ مستديرة مغطاة بالجبن الذائب، “واسمها خاتشابوري”، “أما هذا فهو الرافيولي الجورجي” مشيراً إلى قطع من العجين المسلوق المحشو بخياراتٍ من اللحم والجبن والبطاطس، واسمه “خنكالي”.

التقييم الأعلى لذائقتي حصده طبق “الشاشليك” البقري، وهو قطع لحمٍ مملحة ومشوية على الفحم، وطبق “الخارتشو”، وهو عبارة عن فخارةٍ بها قطع لحمٍ طُبخت مع صلصة الجوز، دسمة ومبهرة تأخذ المعدة الجائعة إلى مرحلة الرضى بعد ساعات المشي.

اليوم الثاني في  جورجيا:

ملأنا بطوننا بما تيسر من بوفيه الإفطار في الفندق استعداداً للطريق الطويل إلى محمية فاشلوفاني في كاخيتي، منطقة كروم العنب ذات الأراضي المنبسطة. كان الطريق ليستغرق ساعتين لو لم نتوقف مراراً وتكراراً لشراء الخبز الطازج، والبحث عن قهوة وتجربة التشورتشخيلا بلا جدوى. الأخيرة هي الحلوى الوحيدة في المطبخ الجورجي. لتحضيرها، يُطبخ العنب في قدرٍ حتى يصبح عصيراً، فتسعّر النار أدنى القدر حتى يتبخر مائه، فيستحيل عجينا. تقوم النساء بلف العجين حول قادةٍ من الجوز، ثم يعلقنها لتجف. “كان جنودنا يحملونها إلى المعركة لأنها مغذية ولا تفسد، وهي تقريب السنكرز الجورجي”، ما أحلى تشبيهاتك يا غيورغي!

ما أن وصلنا إلى مبنى إدارة المحمية حتى لفتتنا صورٌ لأفعى الأصلة، “قتلها محظور وتجنبها مستحب” فهي تتغذى على الفئران وتخلص المزارعين من شر القوارض الصغيرة. بجانب الأصلة صورةٌ للوشق القوقازي، قطٌ سمين قائمتاه الخلفيتان أطول من الأماميتين، وأذناه مدببتان كلواقط الإرسال، أما عيونه فزجاجيةٌ ساحرةٌ مثل جميع السنوريات.

فرك الجميع أكفهم متمنين مشاهدة السمين الظريف. وصلنا إلى المزرعة واخترنا خيولنا بحسب مستوياتنا، فأسرجها السائس. عرّفنا المرشد بأن اسمه سوسو وأنه سيقودنا طوال الجولة. كالشباب المجموعة متحمسون يختبرون تجاوب وسرعة خيولهم ويهتفون كرعاة البقر، فيما الفتيات تربتن على رؤوس الخيول، وواحدةٌ منهن تهمس لفرسها كأنها أختها العائدة من الغربة.

بدأنا جولتنا عند منتصف النهار، لففت رأسي بشماغ لأتقي الأشعة فوق البنفسجية. جميلٌ أن يعود العربي إلى جورجيا على صهوة جوادٍ أبيض وبسام. من علو صهوته يتردد البيت الشهير في البال: “هلّ الربيع بحسنه فتبسما”. للتو بدأت الأزهار الحمراء تطل برأسها من تحت ثلوج الشتاء القوقازي، ذابت الثلوج وروت مياهها الباردة العشب، “فأخضرّ حتى كاد أن يتكلما”.

تعذرت علي في البداية السيطرة على جوادي الذكر المتحمس مثل رفاقه وراكبيها من رعاة البقر. يقال أن الحصان بذكاء طفلٍ في الثالثة من عمره. كيف يمكنني أن أقنع طفلاً في الثالثة بعدم اللهو والجري فيما رفاقه يركضون كالعفاريت وفوق ظهورهم مجانين يلوحون بقبضاتهم.

هدأ الحماس وتنبه رفاقي إلى مصاعبي، فقرر بعضهم السير بخيولهم بجانبي وإعطائي درس “على الماشي”، وخلال ساعتين من التجربة والخطأ ازدادت ثقتي بنفسي وتحكمي بجوادي الطائش.

يسعدني عزيزي القارئ أن أنقل إليك الحركة الأهم التي تعلمتها في رحلتي، وإسمها بين المخضرمين في ركوب الخيل “المكابح اليدوية”. مُد يدك الحرة، وهذا بتصور أن يدك الأخرى ممسكة باللجام بإحكام قريب من عنق الحصان، وبها “أي بيدك الحرة” أمسك بآخر اللجام قريبا من فم حصانك، واسحبه باتجاه ركبتك، وابق عنق حصانك ملوي حتى يسترد رشده ويدرك من هو صاحب القرار.

هذه الحركة غير مؤلمةٍ للحصان لكنه جسدياً لا يستطيع الحركة حتى تعيد رأسه إلى مكانه الطبيعي بين كتفيه.

بدأ قرص الشمس البرتقالي بالاختباء خلف التلال، وهبطت درجات الحرارة سريعاً، فتوقفنا وربطنا خيولنا بأوتادٍ إلى الأرض وحللنا سروجها، فأحنت رؤوسها إلى الأرض تجتر عشائها. أما نحن، فنصبنا خيامنا واستبدلنا ثياب النهار الدافئ بالمعاطف والأوشحة، ومن ثم أشعلنا نار الشواء التي يحلو حولها السمر. أخرج غيورغي من سيارته التي كان يتبعنا بها طوال الوقت أسياخ الشاشليك فابتسمت معدتي حتى “كادت أن تتكلما”.

اليوم الثالث في جورجيا :

ملتحف طبقاتٍ من الصوف والقماش استقيظت بعد أن أطلت الدافئة بأشعتها وأدفأت خيمتي. كان أغلب أفراد المجموعة بالخارج يتناولون البيض المسلوق والعسل والجبن ويدردشون. سعدت بالدفء المفاجئ وسرقت ساعةً إضافيةً من النوم فوق الألحفة لا تحتها.

وضبنا الخيام وأودعناها بطن السيارة الرباعية التي ترافقنا من على بعد، وانطلقنا. توطدت صداقتي بحصاني وشعرت بأن بيننا اتفاق صامت ،ً لا يكسر ظهري بالجري المفاجئ، ولا أجبره على ممارسة اليوغا من خلال المكابح اليدوية.

على صهوة الجواد هناك أربعة أوضاعٍ على الفارس التعامل معها بتمكن، هي المشي والهرولة والخبب والعدو. لعل المشي أسهلها لكن من الضروري إتقان أساسيات الجلوس الصحيح لتجنب آلام الظهر أو السقوط على الدماغ والتسبب بارتجاجه.

الهرولة هي أكثر الوضعيات إزعاج للفارس. هي أشبه بتهادي العشاق شابكين أصابع أيديهم مع أغنيةٍ شاعرية في الخلفية. يرتفع ظهر الحصان مع كل خطوةٍ مسبباً صدمةً لظهر الخيال وعموده الفقري. لذا يجب أن يضغط بداخل فخذيه على السرج وطرف قدميه على الركاب ليرتفع مع الحصان مع كل خطوة، فيما يشبه الرقص. وإن تكرار ذلك يسبب شداً عضلي رهيب في الساقين.

ثم هناك الخبب، وهو ما تشاهده في جميع المسلسات البدوية عندما يقدم فارسٌ بنبأٍ رهيب، هنا يحرك الراكب ردفيه وخصره للأمام والخلف مع حركة ظهر الحصان. ويختلف عنه العدو في السرعة ومد الحصان لرقبته. هنا يرفع الفارس مؤخرته عن الحصان، ويحتضن بفخذيه السرج، ويميل بنصفه العلوي باتجاه رقبة الحصان ليحافظ على إحكام اللجام. مع توجيهات رفاق الطريق أتقنت كل ما سبق باستثناء الأخيرة، واستخدمت المكابح اليدوية كلما تهور حصاني وأراد أن يجاري رفاقه بما يتجاوز قدراتي.

كنا نتوقف بقرب مجرىً للماء أو نهرٍ أو بركةٍ لتشرب منها خيولنا كل بضعة كيلومتراتٍ. بقرب مصادر المياه كانت هناك خيولٌ جميلة وسمينة غير مسرجة أو مربوطة، كأنها برية، تتبادل نظرات الغزل أو الشفقة مع خيولنا.

قريب من وقت الغروب وصلنا إلى أكواخ حراس المحمية. تُطل الغرف على نهرٍ هو الفاصل الطبيعي بين جورجيا وأذربيجان. سيقاننا المتألمة دفعتنا إلى ممارسة جلسة يوغا سريعة بقرب مجرى النهر. تعرفنا إلى حراس المحمية اللطفاء وأسماك القط التي اصطادوها للعشاء.

كانت الأسماك مستلقيةً في حوضٍ ملؤوه من ماء البئر تنتظر مصيرها. اغتسلنا من ماء البئر ذاته وأشعلنا نار الشواء التي يحلو حولها السمر، وأخرجنا الأسماك إلى مثواها الأخير. فيما أخرج غيورغي من سيارته الرباعية أسياخ الشاشليك، فابتسمت معدتي.

ميزانية رحلة السياحة في جورجيا

  • تذكرة دبي – تبليسي 1800 درهم
  • صعود التلفريك إلى القلعة 4 درهم
  • الإقامة في فندق لايتهاوس أولد سيتي 200 درهم
  • كافة ترتيبات الرحلة شاملة المواصلات، وإيجار الخيول ،ليلتان في المحمية 1500 درهم
  • معدل وجبات الغداء والعشاء 200 درهم
  • إجمالي سعر الرحلة التقريبي 3700 درهم

نصائح لزوار جورجيا

  • احمل معك كريم الوقاية من الشمس وبخاخاً لطرد الحشرات
  • خذ معك حقيبة ظهرٍ صغيرة تحمل فيها أغراضك الهامة وزجاجة ماء لتبقى معك وأنت على ظهر حصانك
  • اقتن شريحة من شبكة ماغتي الهاتفية من المطار، فهي الشبكة الوحيدة التي تعمل بكفاءة في المحمية
  • ابق باب غرفتك مغلق وخيمتك محكمة الإغلاق  كي لا تدخل الحشرات أو الثعابين والحيوانات البرية
  • ارتد حذاءً مرتفع الرقبة وعازلاً للماء فذلك يحمي ساقك من الاحتكاك بالركاب
  • لحجز رحلة مماثلة ننصحكم بالحجز عبر شركة www.expertguides.ge

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights