كارلوفي فاري

كارلوفي فاري… الوجه الأكثر سحراً وهدوءاً في التشيك

كارلوفي فاري… الوجه الأكثر سحراً وهدوءاً في التشيك

هناك مدن نزورها لنملأ أيامنا بالمعالم والأنشطة، ومدن أخرى يكفي أن نتمشى في شوارعها حتى نشعر بأن الرحلة حققت غايتها. كارلوفي فاري في جمهورية التشيك كانت بالنسبة لنا من النوع الثاني؛ مدينة هادئة وأنيقة، تحيط بها التلال الخضراء، وتتسلل بين مبانيها مياه نهر تيبلا، فيما تنتشر الينابيع الحرارية والكولونادات التاريخية في قلب مشهد يبدو وكأنه صُمم خصيصاً للاسترخاء.

كانت كارلوفي فاري محطتنا الأولى بعد الوصول إلى التشيك، ومنها بدأت رحلتنا بطريقة مختلفة تماماً عن أجواء المدن الأوروبية الكبيرة. لا ازدحام ولا برنامج مرهق، بل إقامة تجمع بين الراحة، والمياه الحرارية، والمشي بين الشوارع التاريخية، مع رحلات قصيرة إلى أماكن قريبة تستحق الاكتشاف.

تُعد كارلوفي فاري أشهر مدن المنتجعات الصحية في التشيك، وقد ارتبط اسمها منذ قرون بالينابيع المعدنية الحارة وثقافة الاستشفاء والاسترخاء. واليوم يمكن للزائر التجول بين الكولونادات وتذوق المياه المعدنية من ينابيع المدينة المختلفة، بينما تصل حرارة بعض الينابيع إلى نحو 72 درجة مئوية.

لكن جمال كارلوفي فاري لا يقتصر على ينابيعها.

أكثر ما أحببناه فيها هو ذلك التناغم بين العمارة الأوروبية الكلاسيكية والطبيعة المحيطة بها. مبانٍ ملونة بواجهات مزخرفة، شرفات أنيقة، مقاهٍ صغيرة، فنادق تاريخية، ومساحات خضراء تمتد على جانبي النهر. وفي وسط كل ذلك تظهر الكولونادات التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، حيث يتجول الزوار حاملين أكواب الشرب التقليدية لتذوق مياه الينابيع.

تُعد كارلوفي فاري واحدة من أهم مدن السبا على مستوى العالم، وقد أُدرجت على قائمة اليونسكو عام 2021 ضمن مدن السبا التاريخية الكبرى في أوروبا. وتشتهر المدينة بينابيعها المعدنية التي شكلت منذ البداية أساس نشوء ثقافة الاستشفاء فيها، إذ تُستخدم مياهها خصوصاً ضمن ما يعرف بـ”العلاج بالشرب”، وهو جزء أصيل من تجربة كارلوفي فاري وهويتها حتى اليوم.

وتضم المدينة 15 ينبوعاً علاجياً بحسب الموقع السياحي الرسمي لكارلوفي فاري، كما أنها جزء من مجموعة Great Spa Towns of Europe المدرجة على قائمة اليونسكو، وهو ما يفسر لماذا تشعر منذ اللحظة الأولى بأن ثقافة الـwellness هنا ليست مجرد إضافة سياحية، بل جزء من تاريخ المدينة وهويتها.

أما إقامتنا في كارلوفي فاري فكانت في فندق Thermal، حيث اجتمعت الإطلالات الواسعة على المدينة مع تجربة الاسترخاء التي تشتهر بها الوجهة. موقع الفندق جعلنا قريبين من قلب كارلوفي فاري، بينما أضافت المسابح الحرارية المتصلة به بعداً آخر للإقامة، لتصبح العودة إلى الفندق في نهاية كل يوم جزءاً جميلاً من التجربة بحد ذاتها.

اليوم الأول في كارلوفي فاري

كارلوفي فاري

وصلنا إلى مطار براغ، وكان في انتظارنا دانيال من شركة Next Mile ليأخذنا في أولى محطات رحلتنا باتجاه كارلوفي فاري. وبصراحة، كانت بداية مريحة جداً بعد رحلة الطيران؛ فقد كانت السيارة من فئة مرسيدس الكبيرة المخصصة للرحلات، واسعة وفخمة وملفتة بنظافتها وترتيبها، مع مساحة مريحة لنا وللأمتعة، وهو ما جعل الطريق يمر بسلاسة ومن دون أي عناء.

استقرينا في مقاعدنا وانطلقنا برفقة دانيال نحو كارلوفي فاري، في رحلة استغرقت حوالي ساعة ونصف، بدأت خلالها ملامح براغ تتلاشى تدريجياً لتحل مكانها الطرق الهادئة والمساحات الخضراء، في مشهد كان بمثابة مقدمة جميلة لما ينتظرنا في واحدة من أشهر مدن الاستجمام في التشيك.

بعد رحلة الطريق من براغ، وصلنا إلى Hotel Thermal الذي كان مقر إقامتنا في كارلوفي فاري. من اللحظة الأولى، لفتنا موقع الفندق وإطلالته الواسعة على المدينة، والأجمل أنه منحنا إحساساً بأننا قريبون من كل شيء؛ نخرج للتجول بين شوارع كارلوفي فاري ومعالمها، ثم نعود بسهولة إلى الفندق لنكمل يومنا بين أجواء الاسترخاء والمسابح الحرارية.

ويُعد الفندق من الأسماء المعروفة في المدينة، ويضم 273 غرفة وجناحاً إلى جانب المطاعم والبارات ومرافق السبا والـwellness والمسابح وقاعات الفعاليات. كما يرتبط بشكل وثيق بمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث يحتضن خلال فترة المهرجان العديد من العروض والفعاليات، وهو ما يضيف إلى الفندق حضوراً خاصاً في المدينة.

لكن ما يميز Thermal فعلاً هو أنه ليس مجرد فندق، بل تجربة متكاملة مرتبطة بتاريخ كارلوفي فاري كوجهة علاجية واستشفائية. يضم الفندق مرافق للعلاجات التقليدية، وأطباء وأخصائيي علاج طبيعي، إلى جانب جلسات وإجراءات تعتمد على المياه المعدنية التي تشتهر بها المدينة، وكل ذلك تحت سقف واحد.

ويكتمل الجانب الاسترخائي في الفندق مع المسبح الخارجي ومسبح المياه المعدنية، إلى جانب منطقة الـwellness الداخلية ومرافق Saunia، ما يجعل من السهل أن يتحول جزء من اليوم إلى ساعات مخصصة للراحة والاستجمام من دون الحاجة إلى مغادرة الفندق.

خلال إقامتنا، تم حجز Suite Superior لنا، وهي من أفضل فئات الغرف في الفندق. ومن اللحظة الأولى لدخول الجناح، شعرنا بأن المساحة والهدوء هما أكثر ما يميزه؛ تصميم مريح وأنيق، ومساحة رحبة تجعل الإقامة مناسبة ليس فقط للنوم بعد يوم طويل، بل للاستمتاع بوقت هادئ داخل الفندق أيضاً.

كانت الإطلالة من الجناح واحدة من أجمل تفاصيل الإقامة. من النافذة البانورامية، امتدت كارلوفي فاري أمامنا بمبانيها الأنيقة وسط مساحات خضراء واسعة، بينما كان النهر يمر بهدوء بين أرجائها. وفي الخلف، ارتفعت الجبال المكسوة بالخضرة وكأنها تعانق الغيوم، في مشهد هادئ وآسر جعل الوقوف أمام النافذة بحد ذاته لحظة تستحق الاستمتاع بها.

بعد أن أخذنا قسطاً قصيراً من الراحة في الغرفة، لم ننتظر طويلاً قبل أن نبدّل ملابسنا ونتوجه مع الأطفال إلى Saunia Thermal Resort المتصل بالفندق، وكانت بصراحة واحدة من أجمل التجارب التي بدأنا بها إقامتنا في كارلوفي فاري.

أجمل ما في المكان أنه ليس مجرد مسبح فندق تقليدي، بل مجمع للاسترخاء والمياه الحرارية في الهواء الطلق، يقع في موقع مرتفع يمنحكم أثناء السباحة إطلالة جميلة على كارلوفي فاري والتلال الخضراء المحيطة بها.

ويضم Saunia Thermal Resort مسبحين رئيسيين؛ الأول مسبح خارجي كبير بمياه دافئة تبلغ حرارتها نحو 32 درجة مئوية، لذلك كان مناسباً جداً لنا وللأطفال للاستمتاع بالمياه حتى مع برودة الأجواء في الخارج. ويضم المسبح أيضاً مناطق للاسترخاء ونفاثات مائية للمساج، إلى جانب مساحة للسباحة.

أما التجربة الأكثر ارتباطاً بطبيعة كارلوفي فاري فهي المسبح الحراري الأصغر، الذي تصل حرارة مياهه إلى نحو 38 درجة مئوية ويحتوي على مياه معدنية حرارية طبيعية، لتعيشوا تجربة مختلفة تماماً عن السباحة في مسبح عادي.

قضينا وقتاً جميلاً مع الأطفال بين المياه الدافئة والهواء المنعش، وكان المشهد من حولنا يزيد التجربة جمالاً؛ نسبح في الخارج بينما تمتد أمامنا المدينة وسط الطبيعة الخضراء. وبعد رحلة الطيران والطريق من براغ، كانت هذه البداية المثالية لإقامتنا، والأجمل أننا لم نكن بحاجة إلى مغادرة الفندق للوصول إليها.

خصصنا صباح يومنا الثالث لاكتشاف كارلوفي فاري على مهل، وهذه المرة انطلقنا سيراً على الأقدام من الفندق من دون استعجال. كان الطقس جميلاً، ومع كل خطوة كنا نكتشف جانباً جديداً من المدينة؛ مبانٍ أوروبية ملونة بواجهات مزخرفة، ساحات صغيرة، أشجار وحدائق، والنهر الذي يرافقكم في أجزاء كثيرة من الطريق.

واصلنا المشي حتى وصلنا إلى منطقة الكولونادات الشهيرة، وهي من أكثر الأماكن التي تعكس هوية كارلوفي فاري كمدينة للينابيع والاستشفاء. مررنا بين الأعمدة الحجرية الضخمة والممرات الأنيقة، وشاهدنا الينابيع التي يقصدها الزوار لتجربة مياهها المعدنية مباشرة من مصدرها.

وهنا قررنا أن نعيش التجربة مثل أهل المدينة وزوارها؛ اشترينا أكواب كارلوفي فاري التقليدية المصنوعة من البورسلان، والتي تتميز بمقبضها الخاص الذي يعمل كفوهة للشرب، ثم تنقلنا بها بين الينابيع لتذوق المياه المعدنية. كانت تجربة غريبة ومختلفة بالنسبة لنا، خصوصاً أن لكل ينبوع درجة حرارة وخصائص مختلفة، لكنها بالتأكيد من الأشياء التي لا يمكن زيارة كارلوفي فاري من دون تجربتها.

ومن بين المحطات التي شاهدناها أيضاً Vřídlo – الينبوع الحار الشهير، حيث تندفع المياه الحرارية بقوة إلى الأعلى، وهو من أشهر رموز المدينة. وجود هذه الينابيع في قلب كارلوفي فاري يجعل فكرة السبا هنا مختلفة؛ فالمياه المعدنية ليست مخفية داخل المنتجعات والفنادق فقط، وإنما جزء من المدينة نفسها ومن طقوس التجول اليومية فيها.

وخلال جولتنا توقفنا أيضاً أمام عدد من المعالم والتماثيل المنتشرة في المدينة، ومنها تمثال توماش غاريغ ماساريك Tomáš Garrigue Masaryk، أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا، والذي تحمل إحدى مناطق وسط المدينة اسمه.

وبالطبع، لم تكتمل جولتنا من دون تجربة واحدة من أشهر حلويات المدينة، Karlovarské oplatky أو رقائق السبا التقليدية.

وهي رقائق دائرية رفيعة ومقرمشة تشتهر بها كارلوفي فاري منذ سنوات طويلة، وتتوفر بنكهات وحشوات مختلفة. اشتريناها وجربناها خلال جولتنا، وكانت من تلك التفاصيل البسيطة التي ترتبط بالمكان فوراً؛ خصوصاً عندما تأكلونها وأنتم تتمشون بين مباني المدينة التاريخية والينابيع.

بعدها أكملنا جولتنا سيراً على الأقدام باتجاه منطقة الأسواق والمحلات في وسط المدينة. وهنا يتغير المشهد قليلاً؛ تنتشر المتاجر والمقاهي ومحلات الهدايا والتذكارات، وكان من الممتع الدخول إليها من دون برنامج محدد واكتشاف ما تعرضه.

ولفتتنا بشكل خاص محلات البورسلان والزجاج، إضافة إلى عشرات التصاميم المختلفة لأكواب الينابيع التقليدية؛ بعضها بسيط وأنيق، وبعضها مزخرف وملون ويحمل رسومات لمعالم كارلوفي فاري. اخترنا بعض القطع والتذكارات لنأخذ معنا جزءاً صغيراً من المدينة إلى البيت.

كانت هذه الجولة من أحب الأوقات بالنسبة لنا في كارلوفي فاري، لأنها لم تكن مرتبطة بموعد أو برنامج محدد. مشينا بين النهر والمباني التاريخية، دخلنا الكولونادات، جربنا مياه الينابيع بأكوابها التقليدية، تناولنا الحلوى المحلية وتجولنا بين الأسواق والمحلات؛ وهي بالضبط الطريقة التي أحببنا أن نودع بها المدينة قبل الانتقال إلى محطتنا التالية.

تقرأون أيضاً
أوقاتنا على الإنستغرام
أحدث المقالات
تابعنا
كن أول من يعرف!
Categories

كن أول من يعرف!
اشترك في نشرتنا البريدية لتصلك أحدث الأخبار والتغطيات الحصرية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني