هناك مدن نزورها لنملأ أيامنا بالمعالم والأنشطة، ومدن أخرى يكفي أن نتمشى في شوارعها حتى نشعر بأن الرحلة حققت غايتها. كارلوفي فاري في جمهورية التشيك كانت بالنسبة لنا من النوع الثاني؛ مدينة هادئة وأنيقة، تحيط بها التلال الخضراء، وتتسلل بين مبانيها مياه نهر تيبلا، فيما تنتشر الينابيع الحرارية والكولونادات التاريخية في قلب مشهد يبدو وكأنه صُمم خصيصاً للاسترخاء.
كانت كارلوفي فاري محطتنا الأولى بعد الوصول إلى التشيك، ومنها بدأت رحلتنا بطريقة مختلفة تماماً عن أجواء المدن الأوروبية الكبيرة. لا ازدحام ولا برنامج مرهق، بل إقامة تجمع بين الراحة، والمياه الحرارية، والمشي بين الشوارع التاريخية، مع رحلات قصيرة إلى أماكن قريبة تستحق الاكتشاف.
تُعد كارلوفي فاري أشهر مدن المنتجعات الصحية في التشيك، وقد ارتبط اسمها منذ قرون بالينابيع المعدنية الحارة وثقافة الاستشفاء والاسترخاء. واليوم يمكن للزائر التجول بين الكولونادات وتذوق المياه المعدنية من ينابيع المدينة المختلفة، بينما تصل حرارة بعض الينابيع إلى نحو 72 درجة مئوية.
لكن جمال كارلوفي فاري لا يقتصر على ينابيعها.
أكثر ما أحببناه فيها هو ذلك التناغم بين العمارة الأوروبية الكلاسيكية والطبيعة المحيطة بها. مبانٍ ملونة بواجهات مزخرفة، شرفات أنيقة، مقاهٍ صغيرة، فنادق تاريخية، ومساحات خضراء تمتد على جانبي النهر. وفي وسط كل ذلك تظهر الكولونادات التي تشكل جزءاً من الحياة اليومية للمدينة، حيث يتجول الزوار حاملين أكواب الشرب التقليدية لتذوق مياه الينابيع.
تُعد كارلوفي فاري واحدة من أهم مدن السبا على مستوى العالم، وقد أُدرجت على قائمة اليونسكو عام 2021 ضمن مدن السبا التاريخية الكبرى في أوروبا. وتشتهر المدينة بينابيعها المعدنية التي شكلت منذ البداية أساس نشوء ثقافة الاستشفاء فيها، إذ تُستخدم مياهها خصوصاً ضمن ما يعرف بـ”العلاج بالشرب”، وهو جزء أصيل من تجربة كارلوفي فاري وهويتها حتى اليوم.
وتضم المدينة 15 ينبوعاً علاجياً بحسب الموقع السياحي الرسمي لكارلوفي فاري، كما أنها جزء من مجموعة Great Spa Towns of Europe المدرجة على قائمة اليونسكو، وهو ما يفسر لماذا تشعر منذ اللحظة الأولى بأن ثقافة الـwellness هنا ليست مجرد إضافة سياحية، بل جزء من تاريخ المدينة وهويتها.
أما إقامتنا في كارلوفي فاري فكانت في فندق Thermal، حيث اجتمعت الإطلالات الواسعة على المدينة مع تجربة الاسترخاء التي تشتهر بها الوجهة. موقع الفندق جعلنا قريبين من قلب كارلوفي فاري، بينما أضافت المسابح الحرارية المتصلة به بعداً آخر للإقامة، لتصبح العودة إلى الفندق في نهاية كل يوم جزءاً جميلاً من التجربة بحد ذاتها.
اليوم الأول في كارلوفي فاري

وصلنا إلى مطار براغ، وكان في انتظارنا دانيال من شركة Next Mile ليأخذنا في أولى محطات رحلتنا باتجاه كارلوفي فاري. وبصراحة، كانت بداية مريحة جداً بعد رحلة الطيران؛ فقد كانت السيارة من فئة مرسيدس الكبيرة المخصصة للرحلات، واسعة وفخمة وملفتة بنظافتها وترتيبها، مع مساحة مريحة لنا وللأمتعة، وهو ما جعل الطريق يمر بسلاسة ومن دون أي عناء.
استقرينا في مقاعدنا وانطلقنا برفقة دانيال نحو كارلوفي فاري، في رحلة استغرقت حوالي ساعة ونصف، بدأت خلالها ملامح براغ تتلاشى تدريجياً لتحل مكانها الطرق الهادئة والمساحات الخضراء، في مشهد كان بمثابة مقدمة جميلة لما ينتظرنا في واحدة من أشهر مدن الاستجمام في التشيك.
بعد رحلة الطريق من براغ، وصلنا إلى Hotel Thermal الذي كان مقر إقامتنا في كارلوفي فاري. من اللحظة الأولى، لفتنا موقع الفندق وإطلالته الواسعة على المدينة، والأجمل أنه منحنا إحساساً بأننا قريبون من كل شيء؛ نخرج للتجول بين شوارع كارلوفي فاري ومعالمها، ثم نعود بسهولة إلى الفندق لنكمل يومنا بين أجواء الاسترخاء والمسابح الحرارية.
ويُعد الفندق من الأسماء المعروفة في المدينة، ويضم 273 غرفة وجناحاً إلى جانب المطاعم والبارات ومرافق السبا والـwellness والمسابح وقاعات الفعاليات. كما يرتبط بشكل وثيق بمهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، حيث يحتضن خلال فترة المهرجان العديد من العروض والفعاليات، وهو ما يضيف إلى الفندق حضوراً خاصاً في المدينة.
لكن ما يميز Thermal فعلاً هو أنه ليس مجرد فندق، بل تجربة متكاملة مرتبطة بتاريخ كارلوفي فاري كوجهة علاجية واستشفائية. يضم الفندق مرافق للعلاجات التقليدية، وأطباء وأخصائيي علاج طبيعي، إلى جانب جلسات وإجراءات تعتمد على المياه المعدنية التي تشتهر بها المدينة، وكل ذلك تحت سقف واحد.
ويكتمل الجانب الاسترخائي في الفندق مع المسبح الخارجي ومسبح المياه المعدنية، إلى جانب منطقة الـwellness الداخلية ومرافق Saunia، ما يجعل من السهل أن يتحول جزء من اليوم إلى ساعات مخصصة للراحة والاستجمام من دون الحاجة إلى مغادرة الفندق.

خلال إقامتنا، تم حجز Suite Superior لنا، وهي من أفضل فئات الغرف في الفندق. ومن اللحظة الأولى لدخول الجناح، شعرنا بأن المساحة والهدوء هما أكثر ما يميزه؛ تصميم مريح وأنيق، ومساحة رحبة تجعل الإقامة مناسبة ليس فقط للنوم بعد يوم طويل، بل للاستمتاع بوقت هادئ داخل الفندق أيضاً.
كانت الإطلالة من الجناح واحدة من أجمل تفاصيل الإقامة. من النافذة البانورامية، امتدت كارلوفي فاري أمامنا بمبانيها الأنيقة وسط مساحات خضراء واسعة، بينما كان النهر يمر بهدوء بين أرجائها. وفي الخلف، ارتفعت الجبال المكسوة بالخضرة وكأنها تعانق الغيوم، في مشهد هادئ وآسر جعل الوقوف أمام النافذة بحد ذاته لحظة تستحق الاستمتاع بها.

بعد أن أخذنا قسطاً قصيراً من الراحة في الغرفة، لم ننتظر طويلاً قبل أن نبدّل ملابسنا ونتوجه مع الأطفال إلى Saunia Thermal Resort المتصل بالفندق، وكانت بصراحة واحدة من أجمل التجارب التي بدأنا بها إقامتنا في كارلوفي فاري.
أجمل ما في المكان أنه ليس مجرد مسبح فندق تقليدي، بل مجمع للاسترخاء والمياه الحرارية في الهواء الطلق، يقع في موقع مرتفع يمنحكم أثناء السباحة إطلالة جميلة على كارلوفي فاري والتلال الخضراء المحيطة بها.
ويضم Saunia Thermal Resort مسبحين رئيسيين؛ الأول مسبح خارجي كبير بمياه دافئة تبلغ حرارتها نحو 32 درجة مئوية، لذلك كان مناسباً جداً لنا وللأطفال للاستمتاع بالمياه حتى مع برودة الأجواء في الخارج. ويضم المسبح أيضاً مناطق للاسترخاء ونفاثات مائية للمساج، إلى جانب مساحة للسباحة.
أما التجربة الأكثر ارتباطاً بطبيعة كارلوفي فاري فهي المسبح الحراري الأصغر، الذي تصل حرارة مياهه إلى نحو 38 درجة مئوية ويحتوي على مياه معدنية حرارية طبيعية، لتعيشوا تجربة مختلفة تماماً عن السباحة في مسبح عادي.
قضينا وقتاً جميلاً مع الأطفال بين المياه الدافئة والهواء المنعش، وكان المشهد من حولنا يزيد التجربة جمالاً؛ نسبح في الخارج بينما تمتد أمامنا المدينة وسط الطبيعة الخضراء. وبعد رحلة الطيران والطريق من براغ، كانت هذه البداية المثالية لإقامتنا، والأجمل أننا لم نكن بحاجة إلى مغادرة الفندق للوصول إليها.
ولأن Hotel Thermal يعتمد بشكل كبير على مفهوم الاسترخاء والعلاجات الصحية، لم تقتصر تجربتنا على الغرفة والمسابح فقط، بل جربنا أيضاً إحدى جلسات الفندق المميزة وهي Dry Hydromassage Bed.
التجربة مختلفة عن المساج التقليدي؛ تستلقون على سرير خاص وأنتم بكامل ملابسكم، من دون أي تلامس مباشر مع الماء، بينما تعمل نفاثات مائية قوية أسفل غشاء مرن على تدليك الجسم بحركات تتغير في اتجاهها وقوتها.
في البداية استغربنا الفكرة قليلاً، لكن بمجرد بدء الجلسة يتحول الإحساس إلى مساج مائي مريح جداً، خصوصاً لمن يشعر بالتعب بعد السفر أو المشي لساعات طويلة. وتساعد الجلسة على تخفيف شد العضلات وتحفيز الدورة الدموية، كما يُنصح بها للمساعدة في تخفيف آلام الظهر والعمود الفقري.
الأجمل أن كل ذلك يتم في أجواء هادئة ومريحة، لتصبح الجلسة واحدة من التفاصيل التي أكملت بالنسبة لنا مفهوم الإقامة في مدينة أساس تجربتها قائم على الراحة والاستشفاء.
نزلنا إلى مطعم الفندق لنختتم يومنا الأول بالعشاء الصحي واللذيذ. ومع بداية المساء، بدأ المطر يتساقط على كارلوفي فاري، لتتغير أجواء المدينة تماماً وتصبح أكثر هدوءاً وجمالاً.
استمتعنا بعشائنا بينما كان المطر يرسم مشهداً مختلفاً خلف النوافذ، والغيوم تنخفض فوق الجبال الخضراء المحيطة بالمدينة.
لم نرد أن ينتهي يومنا الأول بهذه السرعة. حملنا المظلة ونزلنا في جولة قصيرة تحت المطر بمحاذاة النهر، وكانت كارلوفي فاري في تلك اللحظات أجمل بطريقة مختلفة؛ الشوارع هادئة، أضواء المدينة تنعكس على المياه، وصوت المطر يرافقنا ونحن نتجول بين مبانيها الأنيقة. استمتعنا بهذه الجولة العفوية قبل أن نعود إلى الفندق لنرتاح ونستعد لبرنامج اليوم الثاني.
اليوم الثاني في كارلوفي فاري

بدأ صباحنا الثاني بإفطار الفندق قبل أن نغادر في رحلة قصيرة خارج كارلوفي فاري باتجاه قلعة لوكيت Loket Castle.
ومع الاقتراب من لوكيت، بدأ المشهد يتغير تدريجياً. أمامنا ظهرت بلدة صغيرة شديدة الجمال، تتجمع بيوتها ذات الأسقف الملونة حول قلعة حجرية ضخمة ترتفع فوق صخرة من الغرانيت، بينما يلتف نهر أوهري Ohře حولها من ثلاث جهات، وكأنه يرسم حدود البلدة والقلعة معاً.
وقبل الوصول إلى قلب البلدة، كان علينا عبور الجسر الرئيسي فوق النهر، ومن هنا تحديداً كانت واحدة من أجمل الإطلالات على لوكيت؛ النهر في الأسفل، والبيوت الملونة متدرجة على ضفتيه، والقلعة تفرض حضورها من الأعلى. كان المشهد أشبه بصورة من مدينة أوروبية قديمة حافظت على تفاصيلها حتى اليوم.
دخلنا بعدها إلى البلدة سيراً على الأقدام، وكلما اقتربنا من القلعة أصبحت الأزقة أضيق وأكثر جمالاً، وصولاً إلى الساحة التاريخية المحاطة بالمباني ذات الطابع القوطي والباروكي وعصر النهضة.

وفي قلب الساحة يلفت الانتباه عمود الثالوث المقدس Holy Trinity Column، أحد أبرز آثار لوكيت. أُقيم العمود في أوائل القرن الثامن عشر بعد سنوات قليلة من تفشي الطاعون، ويزينه تصوير للثالوث المقدس وثلاثة من رؤساء الملائكة، إلى جانب تماثيل لستة من القديسين الذين عُدّوا حماةً للمدينة. وبين الساحة والمباني التاريخية والقلعة التي تظهر في الخلفية، تشعرون للحظات وكأن الزمن توقف هنا منذ قرون.

من الساحة واصلنا طريقنا صعوداً باتجاه قلعة لوكيت، التي يزيد عمرها على 900 عام، وتعود بداياتها إلى الفترة الواقعة بين أواخر القرن الحادي عشر وبدايات القرن الثاني عشر.
ويُعتقد أن القلعة شُيدت في الأساس كـحصن حدودي لحماية المنطقة، واختير لها موقع استراتيجي يصعب الوصول إليه فوق الصخرة ومحاطة بالنهر. ومع مرور القرون ازدادت أهميتها حتى أصبحت من الحصون الملكية المهمة في بوهيميا، واكتسبت لوكيت لقب “مفتاح مملكة بوهيميا”؛ فالسيطرة على هذا الموقع المحصن كانت ذات أهمية كبيرة لحماية المنطقة.
ولم تكن القلعة سهلة السقوط؛ فقد تعرضت للحصار خلال الحروب الهوسية ولم يتمكن المهاجمون من الاستيلاء عليها، وهو ما يعطي فكرة عن قوة موقعها وتحصيناتها.
أما قصتها مع الملوك، فتحمل مفارقة تاريخية مثيرة؛ فقد سُجن فيها الأمير وينسيسلاس وهو في الثالثة من عمره، وهو الطفل الذي أصبح لاحقاً الإمبراطور والملك الشهير تشارلز الرابع Charles IV. وعلى الرغم من ذكرياته القاسية فيها، عاد لاحقاً لزيارة لوكيت عدة مرات.
مجرد دخولنا أسوار القلعة، بدأت الجولة تأخذ طابعاً مختلفاً تماماً. الممرات الحجرية والساحات والجدران السميكة تعيدكم إلى أجواء العصور الوسطى، فيما تضم أجزاء القلعة اليوم مجموعة من المعارض التي تروي مراحل مختلفة من تاريخها.
ومن أكثر الأماكن إثارة للاهتمام السجن القديم. فقد تحولت القلعة في أواخر القرن الثامن عشر إلى سجن للمدينة، واستمر استخدامها كسجن حتى عام 1948. ولا تزال عدة طوابق من الزنازين الحجرية الباردة والرطبة محفوظة حتى اليوم.
ويضم هذا الجزء أيضاً غرفة التعذيب، حيث تعرض وسائل وأساليب العقاب التي كانت تستخدم قديماً من خلال أدوات ومجسمات متحركة بالحجم الطبيعي ومؤثرات صوتية تجعل التجربة واقعية إلى حد كبير. وهو جزء قد يكون مخيفاً بعض الشيء للأطفال، لكنه يقدم جانباً مختلفاً تماماً من تاريخ القلعة.
كما شاهدنا داخلها مجموعات من الأسلحة التاريخية والدروع والسيوف والأسلحة النارية القديمة، إلى جانب معرض للخزف المحلي يعود بعضه إلى القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو انعكاس آخر للحرف التي اشتهرت بها هذه المنطقة من التشيك.
ومن أغرب القطع الموجودة داخل القلعة نيزك لوكيت، الذي يُعد من أقدم النيازك المعروفة تاريخياً في المنطقة، وقد أثار اهتمام الأديب الألماني الشهير يوهان فولفغانغ فون غوته.
وتخفي القلعة أيضاً واحدة من التفاصيل المعمارية النادرة؛ Rotunda صغيرة تعود إلى القرن الثاني عشر، أعيد اكتشافها عام 1966 داخل أحد أجزاء القصر، ولا يتجاوز قطرها الداخلي 3.6 أمتار.
أما إذا أردتم رؤية لوكيت من الأعلى، فيمكن الصعود إلى برج القلعة الذي يبلغ ارتفاعه نحو 26 متراً. ومن هناك تتكشف البلدة بطريقة مختلفة تماماً؛ النهر يلتف حولها، والأسطح الملونة تتجمع في الأسفل، بينما تمتد الطبيعة الخضراء من حولها.
خرجنا من القلعة لنعود مجدداً إلى الساحة، وهذه المرة أخذنا وقتنا في التجول بين شوارع لوكيت والتوقف عند النهر والجسر والتقاط الصور. أكثر ما أحببناه في هذه البلدة أنها صغيرة بما يكفي لاكتشافها سيراً على الأقدام، لكنها غنية بالتفاصيل لدرجة تجعلكم ترغبون في البقاء فيها لفترة أطول.
جلسنا في أحد المقاهي هناك، طلبنا القهوة وتناولنا قطعة من الكيك، وكانت الاستراحة بسيطة لكنها من أجمل لحظات الزيارة، خصوصاً مع هدوء البلدة وأجوائها التاريخية من حولنا.
وتشتهر المنطقة أيضاً بالحرف الزجاجية وصناعة البورسلان، لذلك كان من الصعب أن نغادر من دون أن نأخذ معنا شيئاً يذكرنا بهذه المحطة. دخلنا إلى عدد من المحلات الصغيرة المنتشرة حول الساحة، واخترنا بعض القطع من الزجاج والبورسلان، وهي من المنتجات التي تشتهر بها هذه المنطقة من التشيك. كان جميلاً أن تتحول الجولة من زيارة تاريخية إلى تجربة أكثر محلية، بين القهوة، المحلات الصغيرة، والقطع المصنوعة بعناية والتي حملناها معنا كتذكار من لوكيت.
كانت زيارة مختلفة تماماً عن أجواء كارلوفي فاري؛ قلعة عمرها قرون، نهر يلتف حول البلدة، جسر يكشف واحدة من أجمل إطلالاتها، وساحة تاريخية ما زالت تحتفظ بآثارها وعمارتها القديمة.
بعد جولتنا الجميلة في لوكيت، تابعنا يومنا بزيارة واحدة من أشهر الأسماء المرتبطة بكارلوفي فاري، مصنع Moser للزجاج والكريستال الفاخر.
إذا كانت الينابيع الحرارية جزءاً أساسياً من هوية كارلوفي فاري، فإن صناعة الزجاج تمثل وجهاً آخر من إرث هذه المنطقة. ولهذا كانت زيارة Moser فرصة جميلة لنتعرف عن قرب إلى حرفة اشتهرت بها التشيك منذ أجيال.
من داخل المصنع شاهدنا الحرفيين أثناء العمل، وكانت التجربة ممتعة بحد ذاتها؛ قطع من الزجاج المنصهر تتشكل أمامنا خطوة بعد أخرى، بدءاً من النفخ والتشكيل داخل القوالب الخشبية، وصولاً إلى أدق التفاصيل التي تحولها في النهاية إلى قطع فنية أنيقة. أكثر ما لفتنا هو مقدار المهارة والدقة التي تحتاج إليها كل قطعة، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من العمل ما زال يعتمد على الحرفة اليدوية.
وتعود قصة Moser إلى ما يقارب 170 عاماً، وخلال الزيارة لم نكتفِ بمشاهدة مراحل التصنيع، بل تعرفنا أيضاً إلى تاريخ الدار ومجموعاتها من خلال المتحف وصالة العرض، حيث تنتشر قطع بتصاميم وألوان مختلفة تعكس تاريخاً طويلاً من صناعة الزجاج الفاخر.
وبالنسبة لنا، كانت هذه المحطة مكملة بشكل جميل لما شاهدناه في لوكيت، خصوصاً بعد أن لفتتنا هناك أيضاً متاجر الزجاج والبورسلان واشترينا منها بعض القطع كتذكارات. هنا في Moser شاهدنا جانباً آخر من هذه الحرفة، لكن من خلف الكواليس، ورأينا بأنفسنا كيف تبدأ القطعة قبل أن تصل إلى واجهات المتاجر.
اليوم الثالث في كارلوفي فاري

خصصنا صباح يومنا الثالث لاكتشاف كارلوفي فاري على مهل، وهذه المرة انطلقنا سيراً على الأقدام من الفندق من دون استعجال. كان الطقس جميلاً، ومع كل خطوة كنا نكتشف جانباً جديداً من المدينة؛ مبانٍ أوروبية ملونة بواجهات مزخرفة، ساحات صغيرة، أشجار وحدائق، والنهر الذي يرافقكم في أجزاء كثيرة من الطريق.
واصلنا المشي حتى وصلنا إلى منطقة الكولونادات الشهيرة، وهي من أكثر الأماكن التي تعكس هوية كارلوفي فاري كمدينة للينابيع والاستشفاء. مررنا بين الأعمدة الحجرية الضخمة والممرات الأنيقة، وشاهدنا الينابيع التي يقصدها الزوار لتجربة مياهها المعدنية مباشرة من مصدرها.

وهنا قررنا أن نعيش التجربة مثل أهل المدينة وزوارها؛ اشترينا أكواب كارلوفي فاري التقليدية المصنوعة من البورسلان، والتي تتميز بمقبضها الخاص الذي يعمل كفوهة للشرب، ثم تنقلنا بها بين الينابيع لتذوق المياه المعدنية. كانت تجربة غريبة ومختلفة بالنسبة لنا، خصوصاً أن لكل ينبوع درجة حرارة وخصائص مختلفة، لكنها بالتأكيد من الأشياء التي لا يمكن زيارة كارلوفي فاري من دون تجربتها.
ومن بين المحطات التي شاهدناها أيضاً Vřídlo – الينبوع الحار الشهير، حيث تندفع المياه الحرارية بقوة إلى الأعلى، وهو من أشهر رموز المدينة. وجود هذه الينابيع في قلب كارلوفي فاري يجعل فكرة السبا هنا مختلفة؛ فالمياه المعدنية ليست مخفية داخل المنتجعات والفنادق فقط، وإنما جزء من المدينة نفسها ومن طقوس التجول اليومية فيها.
وخلال جولتنا توقفنا أيضاً أمام عدد من المعالم والتماثيل المنتشرة في المدينة، ومنها تمثال توماش غاريغ ماساريك Tomáš Garrigue Masaryk، أول رئيس لتشيكوسلوفاكيا، والذي تحمل إحدى مناطق وسط المدينة اسمه.

وبالطبع، لم تكتمل جولتنا من دون تجربة واحدة من أشهر حلويات المدينة، Karlovarské oplatky أو رقائق السبا التقليدية.
وهي رقائق دائرية رفيعة ومقرمشة تشتهر بها كارلوفي فاري منذ سنوات طويلة، وتتوفر بنكهات وحشوات مختلفة. اشتريناها وجربناها خلال جولتنا، وكانت من تلك التفاصيل البسيطة التي ترتبط بالمكان فوراً؛ خصوصاً عندما تأكلونها وأنتم تتمشون بين مباني المدينة التاريخية والينابيع.
بعدها أكملنا جولتنا سيراً على الأقدام باتجاه منطقة الأسواق والمحلات في وسط المدينة. وهنا يتغير المشهد قليلاً؛ تنتشر المتاجر والمقاهي ومحلات الهدايا والتذكارات، وكان من الممتع الدخول إليها من دون برنامج محدد واكتشاف ما تعرضه.
ولفتتنا بشكل خاص محلات البورسلان والزجاج، إضافة إلى عشرات التصاميم المختلفة لأكواب الينابيع التقليدية؛ بعضها بسيط وأنيق، وبعضها مزخرف وملون ويحمل رسومات لمعالم كارلوفي فاري. اخترنا بعض القطع والتذكارات لنأخذ معنا جزءاً صغيراً من المدينة إلى البيت.
كانت هذه الجولة من أحب الأوقات بالنسبة لنا في كارلوفي فاري، لأنها لم تكن مرتبطة بموعد أو برنامج محدد. مشينا بين النهر والمباني التاريخية، دخلنا الكولونادات، جربنا مياه الينابيع بأكوابها التقليدية، تناولنا الحلوى المحلية وتجولنا بين الأسواق والمحلات؛ وهي بالضبط الطريقة التي أحببنا أن نودع بها المدينة قبل الانتقال إلى محطتنا التالية.
وبهذا، ودّعنا كارلوفي فاري بعد أيام جميلة جمعت بين الاسترخاء والمياه الحرارية والطبيعة والتاريخ، وحملنا حقائبنا لننطلق نحو محطة مختلفة تماماً: Tisá Walls، حيث استبدلنا شوارع المدينة الأنيقة بمغامرة وسط الغابات والتكوينات الصخرية المذهلة.

بعد أن ودعنا كارلوفي فاري، انطلقنا بالسيارة نحو محطتنا التالية، ومع كل كيلومتر كنا نبتعد فيه عن أجواء المنتجعات والينابيع الحرارية، بدأت الطبيعة من حولنا تتغير، إلى أن وصلنا إلى Tisá Walls – Tiské stěny، واحدة من أكثر المحطات الطبيعية التي أثارت فضولنا خلال رحلتنا في التشيك.
منذ اللحظات الأولى، شعرنا أن المكان مختلف تماماً عما شاهدناه في الأيام السابقة. غابة كثيفة تتخللها تكوينات هائلة من الحجر الرملي، بعضها يرتفع كالجدران والأبراج، وبعضها اتخذ بفعل الطبيعة أشكالاً غريبة جعلتنا نتوقف أكثر من مرة فقط لمحاولة تخيل ما تشبهه.
بدأنا جولتنا سيراً على الأقدام بين المسارات، وهنا تكمن متعة Tisá الحقيقية. في لحظة نمشي وسط الأشجار والمساحات المفتوحة، وبعد خطوات قليلة نجد أنفسنا داخل ممر ضيق تحيط به الصخور العملاقة من الجانبين. أحياناً كنا نمر بين فتحات صخرية صغيرة، ثم نخرج فجأة إلى مشهد أوسع يكشف الغابة والتكوينات الصخرية من حولنا.
والأطفال استمتعوا بالمكان بطريقة مختلفة تماماً؛ بالنسبة لهم لم تكن مجرد جولة مشي في الطبيعة، بل أشبه بمغامرة بين الصخور والممرات، خصوصاً مع اختلاف أشكالها وضخامتها.
وما أضاف للمكان سحراً أكبر بالنسبة لنا هو معرفة أن Tisá Walls كانت من مواقع تصوير فيلم The Chronicles of Narnia: The Lion, the Witch and the Wardrobe. وهذا الأمر يصبح منطقياً جداً عندما تبدأون بالمشي بينها؛ فالصخور الضخمة والممرات المخفية والغابة المحيطة بها تمتلك بالفعل ذلك الطابع الخيالي الذي نشاهده في الأفلام.
لكن اللافت أن هذه المناظر لم يصنعها الإنسان. الصخور الرملية تشكلت على مدى ملايين السنين بفعل عوامل الطبيعة والتعرية، لتنتج هذا العالم من الجدران والأعمدة والممرات الطبيعية.
كانت الجولة تحتاج إلى بعض المشي والصعود والنزول، لذلك كانت الأحذية المريحة ضرورية، لكن المشاهد التي وصلنا إليها جعلت الأمر يستحق الجهد. وكلما تقدمنا في المسار، كنا نكتشف زاوية جديدة تستحق التوقف والتصوير.
أكثر ما أحببناه في Tisá هو ذلك الشعور بالابتعاد الكامل عن أجواء المدن. لا مبانٍ فخمة ولا شوارع أو متاجر؛ فقط صخور شاهقة، أشجار، هواء نقي ومسارات تأخذكم إلى عمق الطبيعة.
وبعد أيام بدأت بالينابيع الحرارية والشوارع الأنيقة في كارلوفي فاري، كانت Tisá تغييراً جميلاً تماماً في إيقاع الرحلة؛ انتقلنا خلال ساعات من واحدة من أشهر مدن السبا في أوروبا إلى عالم من الصخور والغابات بدا وكأنه بالفعل مشهد من نارنيا.





